عبد الكريم الخطيب
1370
التفسير القرآنى للقرآن
المشركون ينتقلون من ناديهم الذي يتفكهون فيه بهذه الكلمات الساخرة الهازئة ، بآيات اللّه وكلمات اللّه - ينتقلون من ناديهم هذا إلى الآخرة ، وإلى موقف الحساب والجزاء ، وإلى جهنم وسعيرها . . ثم إذا هم - في حلم كأحلام اليقظة - قائمون في ناديهم ، وقد دخلت عليهم مشاعر كئيبة ثقيلة خانقة ، من هذه الرحلة القصيرة ، وإذا هم في وجوم ورهق ، كمن أفاق من حلم مزعج ، ثم إذا هم وقد صكّت آذانهم بهذا القول الذي يطلع عليهم من حيث لا يعلمون : « فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ » ! ويصحو القوم من وجوههم هذا ، ويدورون بأعينهم هنا وهناك ، باحثين عن هؤلاء الذين كذبوهم بما يقولون . . فيذكرون هذا الحلم المخيف ، ويتذكرون هذا الموقف الذي كان بينهم وبين معبوداتهم ، وتكذيبهم لهم . . ثم ما يكادون يصلون ما انقطع من حياتهم ، حتى يلقاهم هذا الصوت قائلا : « فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً » . . فلقد كذبكم آلهتكم ، وتخلّوا عنكم ، وذهب النصير الذي كان متعلقكم به . . وها هو ذا العذاب مقبل عليكم ، وإنكم لا تستطيعون له صرفا ، ولا تستطيعون أن تجدوا لكم ناصرا ينصركم من دون اللّه . . ثم لا ينتهى الموقف بهم عند هذا ، فإنهم ما يكادون يستسلمون لليأس ، ويعطون أيديهم لهذا العذاب في استسلام ذليل ، حتى يلقاهم هذا الصوت بقوله : « وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً » . . إنه ليذكرهم بأنهم ليسوا في الآخرة ، وإنما هم ما زالوا في هذه الدنيا ، وأن طريق الخلاص مفتوح أمامهم ، إذا هم أرادوا أن يلتمسوا وجه النجاة من هذا العذاب الذي رأوه بأعينهم . . فليرجعوا إلى اللّه ، وليأخذوا في غير هذا الحديث المنكر ، الذي يقولونه في آيات اللّه ، وفي رسوله اللّه . . فإنهم إن رجعوا إلى اللّه ، وآمنوا باللّه وبآيات اللّه وبرسول اللّه ، فقد نجوا بأنفسهم ، وإلا فإن أمسكوا بما هم فيه من ظلم ، فإن اللّه أعدّ للظالمين عذابا كبيرا . .